الثلاثاء, 1 رمضان 1442 هجريا, الموافق 13 أبريل 2021 ميلاديا
عاجل | لمتصفحي الموقع من الجوال : الضغط على (النسخة الكاملة) يعرض الموقع بشكل كامل

بعضٌ من تاريخ بيشة (4)

الزيارات: 2284
التعليقات: 0

أما تقارير مسوحات وكالة الآثار والمتاحف، المنفذة في عام 1410هـ، المتعلقة بحصر وتوثيق الكتابات والنقوش الصخرية في محافظة بيشة، فتشير بأنه عثر على العديد من النقوش والكتابات الكوفية في المحافظة، وجميعها غير مؤرخة ما عدا نقشاً واحداً فقط عثر عليه في موقع الحديقة (رقم 217-24ص) الواقع بالقرب من قرية واعِر على ضفاف وادي بيشة؛ وهذا النقش مؤرخ في سنة 327هـ (الموافق لعام 938ميلادية) .
دراسة النقوش المؤرخة:
عثر على هذه النقوش الصخرية الأربعة المؤرخة، موضوع الدراسة، في موقعين متجاورين لحد ما، وذلك بالقرب من مدينة تبالة، وهما من المواقع المرتبطة ارتباطاً مكانياً بمسار طريق الحج اليمني الأعلى (النجدي)؛ أبكرها مؤرخ في سنة 141 هجرية (758م) ووجد على سفح هضبة جبلية صغيرة تدعى محلياً أُمّ الرّحَي، أما النقش الثاني فهو مؤرخ في سنة 226 هجرية (840م) وكشف عنه على سفح هضبة جبلية صغيرة أخرى تسمى محلياً أُمّ وقْر؛ وبخصوص النقشين الآخرين -الثالث والرابع- فكلاهما مؤرخان في سنة 240 هجرية (854م) وعثر عليهما على صخور الهضبة الجبلية ذاتها المشتملة على النقش الثاني من هذه المجموعة (هضبة أُمّ وقْر). ومن الواضح أن هذه النقوش الصخرية الأربعة المؤرخة لم تشملها فعاليات الحصر والتوثيق خلال المسوحات الأثرية الأخيرة لوكالة الآثار والمتاحف في محافظة بيشة، كما أنها لم تشمل في مسوحات كاتب هذه السطور خلال دراسته الأخيرة لطريق الحج.
تقع هضبة أم الرحي، المحتضنة صخورها نص النقش الأول، إلى الشمال من وادي الثنية، أما هضبة أم وقر، المحتوية جلاميدها الصخرية على نصوص بقية النقوش، فتقع إلى الشمال الغربي من قرية مطوية بنحو 3 كم. وكلتا هاتين الهضبتين تقعان في وادي الثنية، وهو الاسم المحلي لأسفل وادي تبالة، خاصة عند التقاء الوادي الأخير بوادي هرجاب بالقرب من قرية الصبيحي.
تشتهر منطقة الثنية ببركتها الأثرية القديمة المسماة محلياً بالحوطة (أو حوطة مطوية، أو حوطة بني هلال) الواقعة إلى الشمال الشرقي من قرية مطوية، وتتصل هذه البركة بمجرى مائي يبلغ طوله حوالي 8كم يصلها بجبال الضيقة مروراً بقرية البردان وقرية ضريب السوق.
شكلت البردان محطة مائية (منهلاً) رئيسة للحجاج لوقوعها على طريق الحج اليمني الأعلى (النجدي)؛ وتفرد الشاعر اليمني أحمد بن عيسى الرداعي، الذي عاش في النصف الأول من القرن الثالث الهجري (القرن التاسع الميلادي)،خلال رحلته لمكة المكرمة في ذكرها بأرجوزته المشهورة بقوله

(مخاطباً راحلته المهرية):
تـَجُرُّ من ثَوْبِ الصِّبَا أَذْيَالَـهُ
الْجِدِّ حَتَّى تـَرِدِي تَبَالة
يَشْرَعْن في ذِيِ جَدْوَلٍ فَضْفَاضِ
للَبَردَان مُتْرَعِ الْحِيَاضِ

وجاء في شروحات الهمداني مباشرة بعد إدراج هذين البيتين ما يلي: “البَردان قليب بتبالة طيب الماء عذبة، وكذلك تبالة قرية فيها التجار، وإليها الجِهَاز، وكـان فيها نخيل وغيل، وكان أكثر ساكنها من قريش، فخربتها البادية، والجدول هو الغيل”.
وفي ضوء هذه المعلومات الجغرافية المصدرية ووجود بعض الآثار القديمة الشاخصة للعيان الآن الدالة على موقع منهل البردان ومجرى غيله، يتضح بجلاء تام بأن موقعي هذه النقوش الأربعة المؤرخة، هضبة أُمّ الرّحَي وهضبة أُمّ وقْر، يرتبطان ارتباطاً مباشراً بمنهل وغيل محطة البردان التاريخية القديمة المذكورة عند الرداعي؛ ولم يزل اسم هذا المنهل التاريخي القديم تحتفظ به الآن قرية صغيرة مشتملة على مزارع وواقعة على الضفة الشمالية من وادي تبالة . وتقع قرية البردان الحالية إلى الشمال الغربي من مدينة بيشة الحالية بمسافة تصل إلى حوالي 40كم وإلى الشمال الشرقي من مدينة تبالة بمسافة تقدر بحوالي 10كم.
وخلافاً لوجود هذه النقوش العربية الإسلامية المؤرخة فالسفوح الصخرية للجبال والهضاب القريبة من قرية البردان، مثل الجبل الأحمر، وجبل مرايش، وهضبة أم المجاحر، وجبل الحماء، وجبل القرن، تزخر جميعها بالكتابات والنقوش العربية الإسلامية غير المؤرخة والرسوم الصخرية، الآدمية والحيوانية، القديمة والكتابات الثمودية؛ وهذه الآثار الخطية والفنية القديمة والإسلامية تشير بلا ريب إلى عدة دلالات حضارية، وتعد خير شاهد على أن المنطقة عامة شهدت مراحل استيطانية مختلفة قبل ظهور الإسلام بقرون عديدة واستمرت أهمية المنطقة، حضارياً، من خلال كونها واقعة على مسار درب البخور التاريخي القديم، الأمر الذي عزز مكانتها حضارياً وثقافياً واقتصادياً؛ وتوجت هذه الأهمية التاريخية القديمة في انضواء المنطقة بأسرها تحت لواء الدولة الإسلامية لتدخل المنطقة بذلك مرحلة جديدة من تاريخها مع احتفاظها بمقوماتها المتجددة كعنصر ثابت من عناصر حيويتها وتفاعلها الحضاري وبتقديم دورٍ جديدٍ من أدوارها التاريخية حيال الحجاج والمعتمرين من جنوب الجزيرة العربية وجنوبيها الغربي في رحلة غدوهم ورواحهم من مكة المكرمة والمدينة المنورة وإليهما.

يتبع ..
** من بحث للدكتور محمد الثنيان ـ جامعة الملك سعود

التعليقات (٠) اضف تعليق

التعليقات مغلقة

x
تطبيق بيشتنا ـ بوابة بيشة للتواصل الاجتماعي
بيشتنا ـ بوابة بيشة للتواصل الاجتماعي
حمل التطبيق من المتجر الان